بين أصوات الانفجارات المتتالية وإغلاق المعابر، تجد الجالية المغربية في فلسطين نفسها محاصرة داخل ما يشبه “سجنًا كبيرًا”.

 


مع تصاعد التوتر بين تل أبيب وطهران، واستمرار الغارات الكثيفة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، لم تعد المخاوف تقتصر على شظايا الصواريخ فحسب، بل امتدت إلى واقع أشد قسوة فرضته سلطات الاحتلال بإغلاق جميع المعابر والمنافذ، ليجد المغاربة هناك أنفسهم عالقين وسط أتون الحرب.

هذا الوضع المستجد لم يحوّل المدن الفلسطينية إلى مناطق شبه معزولة عن العالم فقط، بل جعل حياة الجالية المغربية رهينة حالة ترقب ثقيل تحت وقع غارات غير مسبوقة، حيث بات الإحساس بالأمان حلماً بعيد المنال في ظل قصف لا يهدأ.

“قصف... البيت يهتز!”. بهذه العبارة المذعورة قطعت منانة بحر، رئيسة جمعية “باب المغاربة للتنمية المجتمعية”، حديثها، بينما دوّى انفجار عنيف في الخلفية عبر الهاتف، لتعود وتكرر الكلمات نفسها بصوت مرتجف.

وتوضح بحر، وهي مغربية مقيمة في القدس، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن الأوضاع الأخيرة اتسمت باضطرابات لم تعهدها المنطقة من قبل. فالتوترات السابقة كانت، بحسب قولها، تستمر أسبوعاً أو أسبوعين ثم تنحسر، أما الآن فالمشهد “مخيف جداً وغير مسبوق”.

وتضيف بلهجة يغلب عليها القلق: “في الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران نسمع أصوات أنواع جديدة من الصواريخ لأول مرة، أشعر وكأن المنزل سيسقط فوق رؤوسنا”، مشيرة إلى أن دوي الانفجارات يصل إلى بيتها رغم أن الصواريخ تنفجر في مستوطنة “معالي أدوميم” المجاورة.

وتتابع: “عندما يُقصف موقع قريب، يهتز المنزل بأكمله. أخشى على أطفالي، ولا توجد وسيلة حقيقية للحماية”.

طفلا منانة، اللذان لم يتجاوزا 18 عاماً، محتجزان في “سجن” عوفر، وهو من بين المواقع التي طالتها الاستهدافات، ما يضاعف منسوب القلق لديها.

ومع هذا التهديد المتواصل، يجد الجميع أنفسهم في حصار فعلي بعد إغلاق الاحتلال لكافة المعابر بشكل كامل، سواء بين الأردن وفلسطين، أو مع غزة، بل وحتى بين المدن الفلسطينية نفسها. وتقول بحر: “من أراد مغادرة الأراضي الفلسطينية لا يستطيع، مغربياً كان أم غيره. الجميع يعيش الخوف، والطرق مغلقة تماماً”.

وتشير إلى أن الجالية المغربية في فلسطين تضم مقيمين جدداً وآخرين استقروا منذ سنوات طويلة واعتادوا تقلبات الأوضاع، غير أن القاسم المشترك بينهم اليوم هو الخشية على الأبناء والقلق من مصير مجهول.

وفي خضم هذه الظروف، يبرز شعور بالعتب تجاه ما تعتبره الجالية ضعفاً في التواصل الرسمي. وتقول منانة: “هناك صعوبة في التواصل بين وزارة الخارجية والمواطنين، وكان من المفترض أن تحظى الجالية هنا بخصوصية أكبر، بحكم وضعها الخاص”.

وتضيف: “من الصعب أن تعيش أجواء حرب ولا يسأل عنك أحد”، معبرة عن أملها في أن يحظى مغاربة فلسطين باهتمام مماثل لما تتلقاه جاليات أخرى خلال الأزمات، مؤكدة: “نعم، هناك تحركات، لكننا نحتاج إلى اهتمام أكبر وطمأنة أوضح”.

وتكشف بحر عن معاناة إضافية تتعلق بعمليات الإجلاء، التي غالباً ما تقتصر على حاملي الجنسية المغربية فقط، ما يضع بعض العائلات أمام خيارات قاسية. فإذا كان أحد أفراد الأسرة لا يحمل الجنسية، يجد المغربي نفسه مضطراً للبقاء تحت القصف، كما حدث في غزة خلال العامين الماضيين، إذ لا يمكنه المغادرة وترك أسرته خلفه.

وترى أن الجالية، بمختلف فئاتها من المقيمين القدامى والوافدين الجدد، بحاجة إلى مواكبة أكبر تتناسب مع خطورة الظرف، حتى لا تبقى عالقة بين نار الصواريخ وعزلة المعابر المغلقة.

وتختم قائلة: “لا ننكر وجود تحركات، لكن في أوقات الأزمات نحتاج إلى اهتمام أكبر”.

وقد حوّل هذا الإغلاق الشامل حياة الفلسطينيين والجالية المغربية إلى ما يشبه “سجناً كبيراً”، وسط شعور متنامٍ بضعف الحضور الدبلوماسي، في وقت أعلنت فيه سلطات الاحتلال، يوم السبت 28 فبراير 2026، إغلاق جميع المعابر في الأراضي الفلسطينية، بما فيها معبر رفح، ابتداءً من الأحد وحتى إشعار آخر، على خلفية استمرار المواجهة بين إسرائيل وإيران.

أحدث أقدم