تقود الحروب غالبًا إلى الخراب والدمار، لكنها قد تتحول أحيانًا—من دون قصد—إلى مخرج وأداة وجودية تعيد إنعاش الثورات التي أصابها الترهل بعد أن استقرت داخل إطار الدولة وفي ظل السلم. ومن هذا المنظور يمكن قراءة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الدائرة اليوم ضد إيران؛ فهذه الدولة كانت، قبل أسابيع قليلة فقط، تواجه موجة من الاحتجاجات الشعبية التي ضغطت بقوة على نظام الجمهورية الإسلامية.
تشكل الحرب لحظة **مواجهة وخطر** تدفع الجماعة إلى الخروج من رتابة الحياة اليومية نحو حالة من **الأصالة التاريخية** و«الوجود الجماعي»، حيث تتحول إلى مختبر يختبر من جديد مبادئ الثورة الأولى. وفي أجواء الحرب تعود ثنائية **الصديق والعدو** إلى الواجهة، فتفرض على العقل الجمعي الإيراني اصطفافًا حادًا يعيد تعريف «الذات» في مواجهة «الآخر». ويسعى الجناح الأكثر راديكالية داخل النظام الإيراني إلى استثمار هذا الفرز لإحياء الهوية الثورية للدولة، معرفًا إياها على أساس المفارقة: *نحن لسنا الغرب*. وبهذا المعنى تُطرح الهوية الإيرانية بوصفها كيانًا جامعًا يستوعب المجتمع بأسره، ويخرجه من فردانيته، على أمل وقف التآكل البطيء الذي قد يصيب الثورات مع مرور الزمن.
**تجذير الهوية الإيرانية**
منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب—بل وحتى قبلها—أعلنت إسرائيل أن هدفها يتمثل في تغيير النظام في إيران. وعلى الرغم من التصريحات الأمريكية المتباينة بشأن الغاية من الحرب، فإن فكرة تغيير النظام تبدو مقبولة، إلى حد ما، داخل الإدارة الأمريكية أيضًا. غير أن ديناميات الحرب نفسها تدفع اليوم نحو صعود التيار الأكثر تشددًا داخل النظام الإيراني، وهو ما يجعل تحقيق هذا الهدف السياسي أبعد منالًا.
كما تؤدي الحرب إلى تعميق الصراع الداخلي بين تيارين: **التيار الأصولي** الذي يدعو إلى استعادة النقاء الثوري، ويرفع شعارات العدالة الاجتماعية ويرفض تقديم تنازلات للغرب؛ و**التيار الإصلاحي** الذي يفضل التفاوض والتقارب مع الولايات المتحدة، ويتبنى سياسات اقتصادية نيوليبرالية سبق أن ارتبطت بمرحلة الرئيس الراحل علي أكبر هاشمي رفسنجاني، واستمرت محاولات تبنيها خلال رئاسة حسن روحاني. وفي النهاية، قد يكون مآل هذا الصراع الداخلي هو العامل الأكثر حسمًا في تحديد مستقبل النظام الإيراني، وربما أكثر تأثيرًا من نتائج العمليات العسكرية نفسها.